نشرت صحيفة “هآرتس” في الأيام الأخيرة تحقيقا استقصائيّا سلّطت فيه الضوء على مساعي شركة “هواوي” الصينيّة لاستقطاب المزيد من الخبراء الإسرائيليين في المجال السيبراني، وبالتحديد أولئك الذين سبق لهم العمل في الوحدات التكنولوجيّة المتقدمة في الجيش. التحقيق عالج المخاوف المرتبطة بـ “هواوي”، وطرح هواجس المؤسسة الأمنيّة الإسرائيليّة من أن يكون عمل الإسرائيليين فيها بمثابة بوابة خلفية تتسرب من خلالها المعارف والخبرات التقنيّة الحساسة إلى الصين، وأن يُؤثّر هذا بدوره على العلاقة التكنولوجيّة بين إسرائيل والولايات المتحدة.

من المعروف أن واشنطن فرضت على “هواوي” حزمة مُتكاملة من العقوبات، إذ ليس مسموحا اليوم لأي شركة أو مواطن أمريكي تقديم منتجات أو خدمات للشركة أو لأي من فروعها، حتى بصفتهم مستشارين مستقلين في مجال الأمن السيبراني. ومن المعروف أيضا أن حزمة العقوبات المذكورة فَصَلت الشركة الصينية بشكلٍ كامل عن منظومة التكنولوجيا الأمريكية، بما في ذلك خدمات من شركات مثل “غوغل” و”مايكروسوفت” و”أمازون”، وحتى خدمات التشغيل والمتصفحات الأساسيّة.

ما ليس معروفا على نطاقٍ كبير هو أنّ “هواوي” تعمل في إسرائيل منذ سنواتٍ طويلة بدون الكثير من المشاكل، وهي تطمح لتوسيع أنشطتها هناك مع تركيز خاص على السايبر الدفاعي والهندسة العكسيّة. بدأت قصة “هواوي” مع إسرائيل عام 2009، وذلك عندما أسس مجموعة من أربعة شبّان إسرائيليين شركة مُتخصصة في مجال أمن الشبكات، وقد فازوا بعد تدشينهم لشركتهم تلك بعقدٍ لتزويد “هواوي” بأول برنامج لتنظيم حركة البيانات استخدمته الشركة في أجهزة الراوتر خاصتها على نطاق عالمي. تطوّرت علاقة العمل بين الطرفين منذ ذلك الوقت لتُثمر في العام 2016 عن استحواذ الشركة الصينيّة على الشركة الإسرائيليّة مقابل 150 مليون دولار وتحويلها إلى مركز للبحث والتطوير. في الوقت الحالي، تُوظّف “هواوي” عبر واجهتها الإسرائيليّة ما يزيد على 500 موظف وتعمل من خلال مقرّين أحدهما في حيفا والآخر في هود هشارون.

قصّة “هواوي” مع إسرائيل ربما تُثبت بعض جوانب المقاربة التي حاولتُ تقديمها في كتاباتي السابقة عن موقع إسرائيل في الصناعة التكنولوجيّة على مستوى العالم، لكنّها تُغري أيضا بالحديث عن موقع الصين ذاتها في هذه المنظومة، وذلك ضمن ملاحظاتٍ قصيرة مترابطة:

▪ لئن كانت العقوبات الغربيّة تدفع الصين للاعتماد على نفسها لإنتاج تقنياتها الخاصة، إلا أن نجاحها في هذا الأمر لا يكبح عطشها أبدا للخبرات والتقانة الغربية، حيث يبقى سعي بكّين للحصول عليها قويّا ولو من أبواب خلفيّة.

▪ أنه لهذا السبب قد يكون تعريف ما هو قائمٌ في الصين كـ “رأسمالية بملامح صينيّة” مقولة بحاجة لمراجعة، فهنالك حقا ملامح مميّزة خاصة بالنموذج الاقتصاديّ الصينيّ، لكن المكونات الغربيّة كانت حاضرة على الدوام وهي جزءٌ لا يتجزأ من مسيرة ونموذج الرأسماليّة الصينية.

▪ أن العلاقة التقنيّة بين الصين وإسرائيل تعكس البون الشاسع الذي قطعته بكّين بالمعاني السياسيّة والأيدولوجيّة منذ السبعينيّات وحتى يومنا هذا. فالصين في عهد ماو تسي تونغ كانت ترى إسرائيل من منظور أنها قاعدة متقدّمة للإمبريالية، وقد سبق لماو أن قال لوفد من م.ت.ف: “إسرائيل وفورموزا قاعدتان للإمبريالية في آسيا. صنعوا لكم إسرائيل ولنا فورموزا [تايوان]”. أما اليوم، فالصين تتعامل مع هذه القاعدة المتقدمة للإمبريالية بدون حرج بهدف تحقيق مصالحها الوطنية في المجال التقني والاقتصادي.

▪ أن إصرار تل أبيب على إبقاء علاقتها مع بكين في المنطقة الرمادية ربما يعكس تحوّطا لدى العقل الإسرائيلي إزاء مستقبل القوّة الغربيّة واحتماليات تراجعها، وبالتالي الإبقاء على شيء من الرهان المستقبلي على قوّة عالمية صاعدة كالصين، ويكفي الإشارة هنا إلى أن ميناء حيفا للحاويات تُديره شركة صينيّة عملاقة بامتياز لمدة 25 عاما، وأن شركة صينيّة استحوذت قبل عقد من الزمن تقريبا على شركة “تنوفا” للألبان، والتي تُعدّ درّة التاج في الاقتصاد التعاوني الإسرائيلي (الكيبوتس) منذ ما قبل قيام الدولة العبرية.

(Visited 2 times, 2 visits today)