نشر معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب قبل بضعة أيام تحليلا للبيان الرسميّ الذي تبنته القمّة العربيّة الطارئة التي عُقدت في القاهرة مؤخرا من أجل تقديم خطّة لإعمار غزّة وإدارتها بعد الحرب. اللافت في التحليل هو تركيزه على لغة بيان القمّة والمصطلحات المُستخدمة فيها، والتي يرى كاتبا التحليل أنه يمنح “حماس” شرعيّة ضمنيّة وأنه يعكس عدم فهم العرب للواقع الجديد بعد السابع من أكتوبر. وقد ارتأيتُ ترجمة هذا التحليل القصير لأنه يتناول جوانب من الفجوات في الخطة العربية كما يراها الإسرائيليون، بالإضافة إلى أنه يعكس جانبا من التصوّرات الإسرائيلية حول مستقبل القطاع.

لا تنسوا الانضمام لقناتي في تطبيق “تيليغرام” حيث ننشر بشكلٍ يومي تحليلات وتقارير حول السياسة والاقتصاد الدوليين. رابط القناة من هُنا.

مُلخص:

تحليل البيان الرسمي حول المبادرة العربية لإعادة إعمار غزة يكشف عن إعلان شديد الإشكالية. فقد نُشر البيان باللغة العربية بلغة تمجّد صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة ما وصفه بـ “العدوان الإسرائيلي”، متضمناً خطاباً حاداً يدين ما يُزعم أنها “جرائم” إسرائيل. هذه الصياغة ترفع من شأن حماس وتضفي عليها شرعية ضمنية، رغم الإشارة الشكلية في البيان إلى إدانة الإرهاب، دون توجيه أي إدانة صريحة لحماس أو حزب الله أو المسلحين الفلسطينيين في الضفة الغربية. بالنسبة لإسرائيل، فإن دروس السابع من أكتوبر والتجارب السابقة تؤكد ضرورة الانتباه إلى الكلمات والصياغات، وتجنب أي محاولات لتبرير منطق الخصم. التأثير التراكمي للمصطلحات المستخدمة في البيان يثير القلق الشديد، إذ لا يعكس أي تغيير في النهج أو إدراك للواقع الجديد بعد السابع من أكتوبر.

الترجمة:

في 4 مارس 2025، عقدت جامعة الدول العربية قمة طارئة في القاهرة لمناقشة إعادة إعمار غزة، وإدارتها ما بعد الحرب. جاء هذا الاجتماع الاستثنائي عقب لقاء تحضيري في الرياض حضره الرئيس المصري، والملك الأردني، وولي العهد السعودي، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة. انتهى الاجتماع التحضيري دون بيان مشترك، ما عكس الخلافات الجوهرية بين القادة العرب. في الواقع، غاب عن القمة الطارئة كل من قادة السعودية والإمارات، رغم أن مشاركتهم كانت لتكون بالغة الأهمية مثل مشاركة مصر والأردن، نظراً لنفوذهم الإقليمي، وعلاقاتهم الوثيقة مع الولايات المتحدة، والدور المتوقع لهم في تحمل العبء المالي الرئيسي لإعادة إعمار غزة.

كان الهدف من القمة الطارئة هو عرض خطة مصر لإعادة الإعمار، وبناء توافق عربي حولها، ورفض رؤية إدارة ترامب التي تقترح إعادة إعمار غزة بطريقة قد تؤدي إلى إفراغها من سكانها، وهو ما اعتبره الفلسطينيون والعالم العربي محاولة لفرض تهجير قسري من وطنهم. هذا السيناريو أثار مخاوف شديدة في كل من مصر والأردن، اللتين تخشيان التعرض لضغوط لاستيعاب أعداد كبيرة من النازحين الغزيين.

كانت مصر قد أعلنت بالفعل عن المبادئ والإطار العام لخطة إعادة الإعمار قبل القمة. وأكد المسؤولون المصريون أن حماس لن يُسمح لها بلعب أي دور في إعادة إعمار غزة أو في إدارتها ككيان سياسي-عسكري ذي سيادة. ومع ذلك، عند مراجعة البيان الختامي الصادر باللغة العربية وترجمته غير الرسمية إلى الإنجليزية، يتضح أن الشرط المصري بشأن حماس غائب تماماً. في الواقع، فإن البيان يمثل مشكلة كبيرة في وضع أساس لأي عملية بناءة، خصوصاً فيما يتعلق بالمصالح الإسرائيلية.

البيان الرسمي، كما نشره مكتب الرئاسة المصري (ولم تنشره جامعة الدول العربية بعد، ما يترك مجالاً لاحتمال تعديل صياغته)، لم يذكر الهجوم الوحشي والهمجي الذي نفذته حماس في 7 أكتوبر 2023، ولا حقيقة أن حماس هي التي بدأت الحرب في غزة. لم يشر البيان إلى حماس على الإطلاق أو إلى ضرورة نزع سلاحها. كما أن حزب الله، الذي انضم إلى هجوم حماس في 8 أكتوبر عبر إطلاق صواريخ على إسرائيل وإجبارها على القتال على الجبهة الشمالية بالتزامن مع الحرب في غزة، غاب أيضاً عن البيان. علاوة على ذلك، لم يتم ذكر الحوثيين، أو الميليشيات الشيعية، أو إيران، رغم أنهم جميعاً لاعبون رئيسيون في الصراع الإقليمي. كما لم يتطرق البيان إلى أسباب الحرب بين إسرائيل وحماس، أو إلى إرهاب حماس، أو الإرهاب الفلسطيني في الضفة الغربية، أو انتهاكات حزب الله المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، أو استمرار جهوده في إعادة التسلح.

في الترجمة الإنجليزية غير الرسمية للبيان، تم الإشارة إلى إسرائيل فقط بـ “الكيان الإسرائيلي”، بينما تم استخدام مصطلح “دولة فلسطين” بشكل متكرر عند الإشارة إلى فلسطين. إضافة إلى ذلك، دعا البيان إلى تدويل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني من خلال مؤتمر دولي، مما يعني إعادة تأكيد دور الأمم المتحدة المركزي. وهذا يتضمن إعادة إحياء وكالة الأونروا، التي تساهم في إدامة وضع اللاجئين الفلسطينيين، ومواصلة الإجراءات القانونية ضد إسرائيل في المحاكم الدولية، باتهامها بارتكاب جرائم حرب، بما في ذلك الإبادة الجماعية والتجويع. في الوقت نفسه، يمجد البيان بشكل غير مباشر حماس من خلال الإشادة بصمود الشعب الفلسطيني في غزة ضد ما وصفه بـ “العدوان الإجرامي الإسرائيلي”.

علاوة على ذلك، فإن فكرة إنشاء لجنة تكنوقراطية في غزة لإدارة الشؤون المدنية، والتي تعد جزءاً من الخطة المصرية، إلى جانب التصريحات الواردة في البيان الختامي للقمة التي تشير إلى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي لجميع الفلسطينيين والدعوات إلى إعادة هيكلتها، يمكن تفسيرها على أنها خطوة نحو دمج حماس في إدارة غزة بعد الحرب، وكذلك ضمها إلى منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. وبينما لم يُذكر اسم حماس أو حزب الله صراحة في البيان، فقد كان القادة العرب دقيقين في التأكيد على مسألة اللاجئين الفلسطينيين، خصوصاً من خلال التركيز على الحفاظ على وكالة الأونروا، بينما تجاهلوا التناقض بين هذا النهج وبين فكرة حل الدولتين.

وعلى الرغم من أن السعودية دعمت البيان الختامي، فإن غياب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد عن القمة يعكس موقف الرياض وأبو ظبي الأكثر تشدداً تجاه حماس مقارنة بموقفي القاهرة والدوحة. هذا التباين أكثر أهمية من مجرد الحديث عن “الوحدة العربية”. فالمواقف السعودية والإماراتية ليست مهمة فقط من الناحية الدبلوماسية، بل لها أيضاً أهمية استراتيجية ومالية، نظراً لأن هذين البلدين من المتوقع أن يتحملا الجزء الأكبر من التكلفة المالية إذا تم تنفيذ أي خطة لإعادة الإعمار. الخلافات بين هذه الدول ظهرت بوضوح خلال الاجتماع التحضيري في فبراير بالرياض، والذي وصفته السعودية بأنه مجرد “لقاء ودي غير ملزم”. علاوة على ذلك، من غير المرجح أن تتعاون حماس مع هذه المبادرة أو أن توافق على نزع سلاحها أو التخلي عن سيطرتها على غزة.

في الوقت نفسه، فإن استمرار التنسيق بين القاهرة والدوحة فيما يتعلق بحماس وغزة، ومشاركة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد في القمة، يشير إلى أن الدوحة قد تمارس بعض التأثير على الموقف المصري. قطر لديها مصلحة واضحة في ضمان بقاء حماس في الحكم في غزة وتعزيز نفوذها في الساحة الفلسطينية الأوسع، مما يرسخ دورها الإقليمي. في المقابل، تحتل السعودية موقعاً فريداً بين الدول العربية، ليس فقط بسبب مسؤوليتها المتوقعة عن تمويل إعادة إعمار غزة، ولكن أيضاً بسبب علاقاتها الوثيقة مع إدارة ترامب، التي يبدو أنها تنسق مع الرياض بشأن هذه المسألة.

يبدو أن المبادرة المصرية وقمة جامعة الدول العربية لن تؤدي إلى أي تقدم ملموس، ناهيك عن تحقيق نتائج إيجابية، ما لم يتم وضع آلية لتفكيك حماس ككيان حاكم وعسكري في غزة. الصياغة المستخدمة في البيان الختامي تجعل من الصعب على القادة العرب ممارسة أي ضغط حقيقي على حماس لنزع سلاحها والتخلي عن سيطرتها. في النهاية، يعكس البيان الفشل العربي في استيعاب التغيرات الجوهرية التي وقعت منذ 7 أكتوبر وعودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض. فالموقف العام للقمة، رغم مظهره التضامني، لن يخدم القضية الفلسطينية بشكل فعّال، إذ اكتفى بتبني القاسم المشترك الأدنى بين الدول العربية، والمتمثل في إدانة إسرائيل واتهامها بجرائم حرب، مع تصويرها كقوة قمعية ضد الفلسطينيين الأبرياء. هذا النهج يتجاهل المصالح الإسرائيلية، وقوتها الراسخة، والجهود الأمريكية لدمجها في الشرق الأوسط من خلال الاتفاقيات، ومكانتها الإقليمية والدولية، رغم كل الانتقادات المستمرة.

دروس 7 أكتوبر تؤكد الحاجة إلى التعامل بجدية مع المصطلحات المستخدمة، وإنهاء تبرير منطق الخصم. فاختيار الإشارة إلى إسرائيل كـ “الكيان الإسرائيلي” (في النص الإنجليزي)، مع تجاهل مسألة نزع سلاح حماس، والتركيز بدلاً من ذلك على قضية اللاجئين الفلسطينيين وإعادة إحياء الأونروا، تعد مؤشرات مقلقة.

في ظل رؤية الرئيس ترامب لإعادة إعمار غزة، لم يكن مفاجئاً أن تنأى الإدارة الأمريكية بنفسها عن البيان الختامي للمبادرة العربية، معتبرة أن الخطة المصرية غير قابلة للتطبيق. من الضروري أن تنسق إسرائيل بشكل وثيق مع إدارة ترامب لمواجهة الجهود الرامية إلى تنفيذ هذا الإطار غير العملي والمثير للجدل لإعادة إعمار غزة، وكلما زادت مشاركة إسرائيل في هذه الجهود مع تقديم رؤيتها الخاصة لـ “اليوم التالي”، كان ذلك أفضل.

(Visited 228 times, 1 visits today)