خلال المواجهة العسكريّة الأخيرة بين إيران وإسرائيل، كتبتُ أكثر من مرّة عن التفوّق الجويّ الإسرائيلي كعامل أساسي في فهم أبعاد تلك المواجهة ونتائجها، وأصداء هذا التفوّق وتبعاته على توازن القوى الإقليمي، وتأثيراته على التفكير الاستراتيجي لبعض دول المنطقة إزاء مسألة تحديث سلاح الجو، وكيفية توظيفه في الحروب المستقبلية.
وقد جاء التقرير الذي نشرته أكاديميّة الاستخبارات التركيّة مطلع الشهر الجاري ــ والذي أُريد له أن يكون خلاصة للدروس والعبر المستفادة تركيّا من حرب إيران وإسرائيل ــ مصداقا لما كتبناه؛ حيث أشار هذا التقرير إلى أنّ “الحرب أظهرت بوضوح أن العامل الجوي هو الحاسم في النزاعات القصيرة والعالية الكثافة، خاصة بالنسبة لدول لا تمتلك عمقا بريا أو حدودا واسعة”. وقد أفاض التقرير في تحليل جوانب التفوّق الجوي الإسرائيلي ودوره الحاسم في الحرب الأخيرة، كما لو كان يدق جرس إنذار بالنسبة لتركيا، التي ترى نفسها البلد المعني أكثر من غيره بنتائج حرب إيران وإسرائيل، وما كشفته من قدرات إسرائيلية في مختلف المجالات العسكريّة والأمنية.
ولقد أصبح واضحا الآن أن إسرائيل استخدمت في حملتها الأخيرة على إيران أسطولا جويا ضخما، كان عماده الرئيسي مقاتلات “إف-35″، و”إف-16″، و”إف-15″، بالإضافة إلى طائرات التزوّد بالوقود، وطائرات الاستخبارات والحرب الإلكترونيّة، وعلى رأسها طائرة “أورون” التي دخلت الخدمة عام 2023، والتي يبدو أنها لعبت دورا بارزا في تقديم المعلومات الاستخبارية في الزمن الحقيقي عن الأهداف التي تعرضت للهجوم.
ولعله من الضروري الإشارة هنا إلى أنّ إسرائيل كانت تُعدّ للهجوم على إيران وتدرس سيناريوهاته المختلفة منذ قرابة عقدين من الزمن، وأن جانبا من التعقيدات الكامنة في ترتيب هجوم معقّد ومستمر من النوع الذي رأيناه كان نابعا، في أحد جوانبه، من الافتقار إلى طائرات مقاتلة متقدمة وشبحية. ومن هنا شكّل دخول طائرة “إف-35” إلى الخدمة في سلاح الجو الإسرائيلي عام 2017 نقطة تحوّل بكل المعاني؛ لأنها وسّعت الآفاق العملياتية الإسرائيلية إلى حدود بعيدة، وجعلت ما كان غير ممكن ممكنا. ويمكن القول إنه بدون هذه الطائرة كان الهجوم الإسرائيلي على إيران ليكون أقل فاعلية وأعلى مخاطرة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الدور البارز الذي لعبته “إف-35” في فتح “الكوريدور الجوي” إلى سماء إيران، عبر اختراقها للعمق وتدمير الدفاعات الجوية، وعملها كـ “قائد ميداني متقدّم” من خلال تجميع الصورة القتالية، ومشاركة البيانات، وتكليف الطائرات الأخرى بمهماتها.
ويكتسب الحديث عن طائرة “إف-35” ودورها في الحملة الأخيرة على إيران أهمية خاصة لتركيا بالذات؛ لا لأنه يكشف عن فارق القوى النوعي بين تل أبيب وأنقرة في هذا المجال فحسب، بل لأنّ تركيا ذاتها كانت جزءا من برنامج تطوير هذه الطائرة الشبحية مع الولايات المتحدة، وذلك قبل أن تُطرد منه في العام 2019 على إثر شرائها منظومة “إس-400” الروسية للدفاع الجوي الصاروخي.
منذ ذلك الوقت تزايدت التحديات في وجه أنقرة في مسألة تحديث سلاح الجو وتطويره، لتجد نفسها أمام سيناريوهات مختلفة ينطوي كل واحد منها على مشكلاته ومعضلاته الخاصة. وقد نشر معهد الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب في الأيام الأخيرة تحليلا يعالج هذه المسألة بالذات، حيث قدّم معالجة للمسارات المختلفة التي يمكن لأنقرة أن تسلكها من أجل ردم الفجوة المتزايدة بينها وبين إسرائيل، وبين القوى الإقليمية الأخرى على صعيد القوة الجوية، مع إضاءة على التعقيدات الكامنة في كل مسار من هذه المسارات، بما فيها مسار تطوير مقاتلة “قآن” محلية الصنع.
وقد ارتأيتُ ترجمة هذا التحليل لأهميته، رغم قناعتي بأن مناقشة هذه المسألة لا يجب أن يقتصر على الجوانب العسكريّة والتقنيّة فحسب، بل يجب أن يطال أيضا العوامل الاقتصادية البنوية. فتحديث سلاح حساس ومستهلك للموارد كسلاح الجو ليس مسألة فنية صرف، بل هو في العمق مسألة مرتبطة أيضا بالقوة الاقتصادية، والملاءة المالية، والعمق الصناعي والتكنولوجي، والاستقرار السياسي، أولا وقبل كل شيء.
مُلخص:
إن حاجة تركيا لتجديد أسطولها من الطائرات المُقاتلة ليست جديدة، لكن هذه الحاجة أصبحت أكثر إلحاحا بسبب المشتريات التي قامت بها دول إقليمية أخرى وبسبب نتائج حرب إسرائيل مع إيران. ورغم أن أنقرة ما زالت تتعامل مع تداعيات إزالتها من برنامج F-35 في عام 2019، إلا أن لديها الآن خيارات أكثر مما كان في الماضي، بفضل تحسن وضعها السياسي نتيجة الحرب في أوكرانيا، وسقوط نظام الأسد في سوريا، وعودة ترامب إلى البيت الأبيض. حاليا، تدرس أنقرة ثلاثة خيارات رئيسية لتجديد طائراتها — أمريكية، أوروبية، ومحلية — لكن أيا منها ليس مثاليا. يكتنف الغموض المشتريات من الولايات المتحدة وأوروبا، بينما يمثل الخيار المحلي رهانا على نجاح المقاتلة التي تطورها تركيا بنفسها. ومع ذلك، أي خيار تختاره تركيا سيعزز بشكل كبير قدراتها الجوية، وعلى الدول الإقليمية، بما في ذلك إسرائيل، أن تستعد وفقا لذلك.
الترجمة:
لقد شَغَلَ تحديث سلاح الجو التركي أنقرة لسنوات عديدة. ويتكوّن أسطول البلاد من الطائرات أساسا من مقاتلات F-16 أمريكية الصنع، حصلت تركيا عليها في التسعينيات وجرت ترقيتها لاحقا بأنظمة أمريكية وتركية، ومقاتلات F-4 أقدم تم شراؤها من الولايات المتحدة في السبعينيات، وتمت ترقيتها لاحقا بتكنولوجيا إسرائيلية بالتعاون مع شركة Israel Aerospace Industries في عام 1997. هذه المقاتلات القتالية التشغيلية دخلت الخدمة منذ عقود، وعلى الرغم من الترقيات، فإن تقادم هذه الطائرات أصبح مشكلة ملحة تتطلب الآن اهتماما كبيرا.
عادة ما يتم تصنيف المقاتلات حسب الأجيال. في هذا السياق، تعتبر F-4 نموذجا بارزا من الجيل الثالث، بينما تنتمي F-16 إلى الجيل الرابع. منذ ذلك الحين، ومع ذلك، سمحت التكنولوجيا بتحسينات كبيرة في مجالات حاسمة مثل القدرة على المناورة، والرادار، والتخفي، والاندماج مع أنظمة القيادة والسيطرة، وأنظمة المعلومات المتقدمة. على هذا الأساس، دخلت المقاتلات من الجيل الخامس، وأبرزها F-35، الخدمة في العقد الأول من الألفية.
كانت أنقرة تنوي تطوير سلاحها الجوي إلى الجيل الخامس من خلال المشاركة في برنامج F-35 إلى حد أنها أنتجت مكونات للطائرة. ومع ذلك، في عام 2019، طردت الولايات المتحدة تركيا من البرنامج ردا على شراء أنقرة نظام الدفاع الجوي الروسي S-400. في ذلك الوقت، خشيت واشنطن من أن تشغيل تركيا في الوقت نفسه للطائرة الأمريكية والنظام الروسي يُمكّن الأخير من جمع معلومات حساسة حول F-35 ونقلها إلى روسيا.
إن حقيقة أن سلاح الجو التركي تُرك مع جيل قديم من المقاتلات أصبحت مسألة أكثر إشكالية بالنسبة لأنقرة بسبب سباق التسلح الجوي الإقليمي. تُشغّل إسرائيل بالفعل الطائرة المقاتلة من الجيل الخامس الـ F-35. العديد من الدول الأخرى حصلت على مقاتلات أكثر تقدما من F-4 وF-16، وتدمج تقنيات تقترب جزئيا من الطائرات الأكثر تقدما (غالبا ما يشار إليها بالجيل “4.5”). مصر وقطر والإمارات اشترت مقاتلة “رافال” الفرنسية، بينما اشترت دول الخليج، بقيادة السعودية، مقاتلة “يوروفايتر تايفون”، التي طورتها بريطانيا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا معا. اليونان، الخصم التاريخي لتركيا في الغرب، اشترت مقاتلات “رافال” وشاركت في محادثات متقدمة للحصول على F-35. هذا يعني أن اليونان — التي كان لتركيا معها احتكاك متكرر على مر السنين، بما في ذلك في الجو — ستتمكن قريبا من تشغيل طائرات شبحية من الجيل الخامس، ما يمنحها حرية عمل أكبر في الأجواء التركية. هذا يمثل تهديدا كبيرا لأنقرة.
منذ إزالتها من برنامج F-35، واجهت تركيا تحديا مزدوجا مع تداعيات استراتيجية كبيرة: تقادم أسطولها الجوي واتساع الفجوة بالنسبة إلى جيرانها. بينما اتبعت أنقرة سياسة خارجية أكثر جرأة وزادت قوتها العسكرية، محققة نجاحات برية وبحرية، فإن ضعفها في الجو يقوض الميزة النسبية التي تملكها في مجالات أخرى. محاولات التعويض بالمسيّرات المتقدمة أثبتت، مع مرور الوقت، أنها حل جزئي فقط.
أصبح وعي أنقرة بالحاجة إلى تسريع تحديث سلاحها الجوي أوضح بعد حرب إسرائيل مع إيران. في أوائل أغسطس، نشرت الأكاديمية الوطنية للاستخبارات التركية تقريرا يوضح الدروس المستخلصة لتركيا من الصراع بين إسرائيل وإيران. كان الدرس الأول هو الحاجة إلى مواصلة تحديث المنصات الجوية التركية. تفوق إسرائيل الجوي ودوره في تحقيق نصر حاسم ضد إيران — إلى جانب تصور أنقرة بأنها تنافس إسرائيل على النفوذ الإقليمي — أبرز الأهمية الحاسمة لأسطول تركيا الجوي، خاصة بالنظر إلى القدرات المتقدمة لسلاح الجو الإسرائيلي بفضل F-35.
لمعالجة هذه المسألة، لدى الحكومة التركية عدة خيارات. على الرغم من أن المسؤولين الأتراك أثاروا أحيانا فكرة شراء مقاتلات روسية أو صينية، إلا أن هذا يبدو غير مرجح الآن، نظرا للمعارضة التي قد يثيرها مثل هذا التحرك داخل حلف “الناتو”، وكذلك الوقت الطويل اللازم للتكيف مع أنظمة مختلفة تماما عن تلك التي تشغلها تركيا حاليا. بدلا من ذلك، ظهرت ثلاثة خيارات لشراء مقاتلات في السنوات الأخيرة مع احتمال أكبر للتحقق: من الولايات المتحدة، أوروبا، أو من خلال صناعة الدفاع التركية نفسها.
خلال إدارة بايدن، تفاوض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع واشنطن لترقية أسطول F-16 التركي من خلال شراء طائرات أكثر تقدما من نفس الطراز وحزم ترقية لتلك الموجودة بالفعل في الخدمة. في أوائل عام 2024، مقابل موافقة أنقرة على انضمام السويد إلى “الناتو”، وافق الرئيس بايدن على الصفقة. ومع ذلك، بحلول نهاية ذلك العام، تخلت تركيا عن صفقة حزم الترقية، مدعية أن لديها حلولا محلية. في ذلك العام نفسه، ألمح المسؤولون الأمريكيون أيضا إلى احتمال عودة تركيا إلى مشروع F-35. عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية — الذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه أكثر تعاطفا مع أردوغان من بايدن — خلقت زخما جديدا، مع تعبير ترامب عن استعداده لدفع القضية. في ظل الواقع الجديد في واشنطن، قررت تركيا تركيز جهودها مع الإدارة الأمريكية على استعادة الوصول إلى برنامج F-35.
في الوقت نفسه، في عام 2023، نظرا للتأخيرات في المفاوضات مع واشنطن، توجهت أنقرة أيضا إلى كونسورتيوم “اليوروفايتر”. أي عملية شراء للـ “يوروفايتر” تتطلب موافقة الدول الأعضاء في الكونسورتيوم. لعدة أشهر، كانت معارضة ألمانيا — بسبب عمليات تركيا في شمال سوريا وسجلها في حقوق الإنسان — العقبة الرئيسية أمام تقدم المفاوضات. في 23 يوليو 2025، رفعت لجنة الصادرات الأمنية الألمانية الفيتو، بينما تم توقيع اتفاق أولي بين وزيري الخارجية البريطاني والتركي لشراء “اليوروفايتر”. إسبانيا وإيطاليا، الشريكان أيضا في المشروع، من غير المتوقع أن تعارضا استمرار المفاوضات بين الطرفين، مما يجعل الخيار الأوروبي يبدو الأكثر احتمالا في الأسابيع الأخيرة.
الخيار الثالث لأنقرة يستند إلى صناعة الدفاع الوطنية الخاصة بها، التي تطورت بسرعة في السنوات الأخيرة. بدأت تركيا بالفعل في ترقية أجزاء من أسطولها من F-16 بأنظمة منتجة محليا. مشروعها الرئيسي، مع ذلك، هو “قآن”، المقاتلة الوطنية التركية. قام نموذج أولي من الطائرة بأول رحلة له في عام 2024، ووفقا للمسؤولين الأتراك، ستمتلك الطائرة قدرات الجيل الأكثر تقدما من المقاتلات، استنادا إلى حد كبير على تقنيات تركية.
بعيدا عن دوره العسكري، أصبح مشروع مقاتلة “قآن”، الذي بدأ في عام 2016 قبل إزالة تركيا من برنامج F-35، رمزا مركزيا في دعاية النظام واستخدم لحشد الناخبين القوميين لأغراض داخلية. كما تهدف الطائرة إلى أن تصبح منتجا رئيسيا للتصدير لصناعة الدفاع التركية. في يوليو 2025، أصبحت إندونيسيا أول عميل أجنبي يشتري “فآن”، موقعة عقدا لشراء 48 طائرة لتسليمها خلال عشر سنوات. دول أخرى، بما في ذلك باكستان والسعودية والإمارات ومصر، أبدت اهتمامها أيضا.
على ما يبدو، أصبح لدى أنقرة الآن خيارات أكثر مما كانت عليه قبل عدة سنوات عندما لم تكن الدول الغربية مستعدة لبيع أسلحة متقدمة للجيش التركي. هذا التحول يعكس تحسن المكانة السياسية لتركيا، ويرجع ذلك جزئيا إلى أهميتها المتزايدة في سياق الحرب في أوكرانيا وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا. ومع ذلك، فإنه يضع القيادة التركية أيضا في موقع يفرض عليها النظر في بدائل، لكل منها مزايا ومخاطر مميزة.
ترقية طائرات F-16 الموجودة بالفعل في حوزة تركيا تمثل خيارا قصير المدى وغير مكلف نسبيا. ومع ذلك، حتى إذا تم تنفيذها، فإنها ستقلل فقط — بدلا من أن تغلق — الفجوة بين سلاح الجو التركي والجيوش الأخرى، خاصة إذا نفذت أساسا بتقنيات تركية. التوجه إلى واشنطن، سواء لترقية الطائرات الموجودة أو للحصول على طائرات F-16 جديدة، سيُبقي تركيا معتمدة على الولايات المتحدة. تمت الموافقة على الصفقة، لكن ضمان موافقة الكونغرس على صفقة F-16 واجه عقبات من جماعات الضغط اليونانية والأرمنية والكردية بالإضافة لجماعات الضغط الموالية لإسرائيل. إن تردد تركيا في إكمال الشراء ينبع جزئيا من رغبتها في العودة إلى برنامج F-35.
قد تؤدي عودة تركيا إلى برنامج F-35 إلى معارضة أكبر في الكونغرس، نظرا للتداعيات الأكثر خطورة لمثل هذه الخطوة على قدرة أنقرة العسكرية وعلى ميزان القوى الإقليمي. التوترات بين إسرائيل وتركيا بشأن سوريا تصاعدت، وبينما لم يعلن رسميا، أصبحت معارضة إسرائيل لبيع F-35 لتركيا أكثر بروزا في المناقشات المغلقة، إلى حد كبير بسبب المخاوف من احتمال مواجهة مباشرة. بالإضافة إلى ذلك، لم تجد الولايات المتحدة وتركيا بعد صيغة مقبولة لحل مسألة شراء تركيا لنظام S-400 من روسيا — وهي نقطة خلاف مع “الناتو”.
يبدو أن مُصنعي مقاتلات “اليوروفايتر” الآن أكثر استعدادا لبيع طائراتهم لسلاح الجو التركي، حتى لو كانت المفاوضات على التفاصيل ما زالت متوقعة. ومع ذلك، فإن “اليوروفايتر” ليست مقاتلة من الجيل الخامس وتعتبر أدنى من الـ “رافال”، رغم أنها تتفوق في مهام الدفاع الجوي ويمكن أن تساعد تركيا على مجاراة بعض جيرانها في القتال الجوي. علق رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس على عملية الشراء المحتملة، قائلا: “تركيا دولة كبيرة ذات صناعة دفاع قوية. وإذا كان أحد يعتقد أنه يمكنه منع أي شراء لمعدات دفاعية من قبل تركيا، فهو جاهل تماما. لم يحدث ذلك أبدا. لا يمكن أن يحدث. ما يمكن أن يحدث، مع ذلك، هو أن نجعل حلفاءنا الأوروبيين على دراية بأنه ستكون هناك طوارئ وشروط فيما يتعلق بالطريقة التي سيتم بها تسليم هذه الطائرات، وكيفية استخدامها ودعمها في المستقبل”. في هذا السياق، ألمح ميتسوتاكيس إلى تقارير سابقة عن مطلب ألماني بأن لا تستخدم تركيا مقاتلات “اليوروفايتر” ضد حليف آخر في “الناتو”، ولا سيما ألا تخترق الأجواء اليونانية.
خيار الطائرة الوطنية التركية، على النقيض، يبدو أنه يحرر أنقرة من الاعتماد على مفاوضات طويلة مع حكومات أجنبية، التي غالبا ما تطالب بتنازلات في قضايا حساسة. لهذا السبب، تؤكد الأصوات القومية في تركيا على ضرورة تجنب شراء مقاتلات أجنبية، محذرة من أن مثل هذه المشتريات ستصرف الموارد عن مشروع “قآن” الوطني وتؤخر هذا المشروع وتحرير تركيا من الاعتماد على الدول الأجنبية.
ومع ذلك، فإن هذا القرار يحمل العديد من المخاطر. يواصل المعلقون الأجانب التشكيك في القدرات الحقيقية لـ “قآن”، التي لا تزال تعتمد على تقنيات أجنبية في جوانب حاسمة، بما في ذلك المحركات. علاوة على ذلك، على عكس البدائل الأخرى، لم يتم تبني “قآن” بعد من قبل أي جيش، مما يعني أن تركيا ستتخلى عن فوائد الخبرة التشغيلية التي تراكمت بالفعل لدى مشغلين آخرين. بعبارة أخرى، فإن المراهنة على نجاح الطائرة الوطنية يستبدل فقط عدم اليقين في المفاوضات مع الشركاء الأجانب بعدم اليقين بشأن قدرات صناعة الدفاع التركية نفسها.
الوقت عامل حاسم آخر، يدفع أنقرة إلى تقييم مزيج من الخيارات. حتى لو ظل مشروع “قآن” على المسار المحدد، فمن المتوقع أن يبدأ الإنتاج التسلسلي والنشر التشغيلي من قبل سلاح الجو التركي فقط في العقد المقبل. لذلك، لا يمكن للبرنامج الوطني تلبية إحساس أنقرة الحالي بالإلحاح. في هذا السياق، ينظر إلى “اليوروفايتر” كحل انتقالي يمكن أن يساعد، إذا تم الحصول عليه بسرعة، في تقليص الفجوة مع القوات الجوية الإقليمية الأخرى. ومع ذلك، فإن هذا الخيار المشترك أدنى من الحصول على F-35، التي وحدها يمكن أن تحل التحديات الفورية وطويلة الأمد.
تواجه أنقرة إذا بدائل غير مثالية، يتشكل قرارها من اعتبارات عديدة: القدرات التشغيلية للطائرات، تكلفتها، احتمالات نجاح الشراء أو الإنتاج، وقت التسليم، العلاقات الخارجية مع الدول الأخرى، وحتى صورتها في الساحة السياسية الداخلية. تتبع تركيا جميع المسارات الثلاثة بالتوازي، التي تؤثر أيضا على بعضها البعض. إلى جانب إمكانية الجمع بين شراء “اليوروفايتر” وتطوير “قآن”، أشار الخبراء إلى احتمال أن تحصل تركيا على F-35 كوسيلة لتعويد سلاحها الجوي على الجيل الخامس بينما يتم تطوير المقاتلة التركية — مما يجعل الأمر أقل إلحاحا. ومع ذلك، يبدو أن هذا الحل هو الأكثر تكلفة. يفسر آخرون مفاوضات أنقرة مع الأوروبيين على أنها وسيلة ضغط على واشنطن لإبرام صفقة F-35 بشكل أسرع.
بالنسبة للدول القلقة من تصاعد قوة تركيا، فإن لكل خيار تداعيات ذات نتائج مختلطة. مقارنة بحصول تركيا على F-35، يُنظر عموما إلى خيار شراء “اليوروفايتر” على أنه مفضل، نظرا لقدرات الطائرة المحدودة أكثر. ومع ذلك، فإن احتمال إتمام صفقة F-35 كاملة هو الأدنى بين جميع الخيارات، حيث سيقوض بشكل كبير ميزة إسرائيل النسبية، وفي النهاية ميزة اليونان. كما أكد رئيس الوزراء ميتسوتاكيس، فإن شراء الطائرات ليس صفقة لمرة واحدة بل عملية مستمرة يمكن أن تشكل سلوك الدولة.
رهان أنقرة على القدرة التكنولوجية لتركيا والاختيار بين الإنجازات المستقلة والاعتماد على الموردين الأجانب له أيضا تداعيات تتجاوز تركيا. قد يؤدي بيع الطائرات الأوروبية أو الأمريكية إلى عمليات نقل للتكنولوجيا التي لا تستطيع صناعة الدفاع التركية أو موردون آخرون توفيرها لتركيا. وعلى العكس، يمكن القول إن شراء تركيا من مصادر غربية لا يزال مفضلا على البدائل، لأنه يترك الولايات المتحدة وأوروبا بوسائل ضغط في حال اعتمدت تركيا سياسة عدوانية تجاه جيرانها. في كل الأحوال، يجب على الدول الإقليمية، بما في ذلك إسرائيل، أن تستعد لاحتمال وجود سلاح جو تركي مطور في المستقبل القريب.
