يبدو أن تكتيك دونالد ترامب القائم على الإعلان عن مواقف صارخة بهدف نقل عبء البحث عن الحلول إلى الأطراف الأخرى قد بدأ بالعمل بشكلٍ ما. فالمجموعة العربيّة بقيادة مصر والسعوديّة تعكف الآن على إعداد “خطّة مضادة” لما طرحه الرئيس الأمريكيّ حول تهجير الغزيين مؤخرا. ملامح هذه الخطّة ستتضح بشكلٍ أكبر في الأيام المقبلة. هُنا بعض المعطيات والملاحظات والأسئلة حول هذه الملامح وآفاقها.
- من الناحية السياسيّة، ستُشدّد الخطة غالبا على الموقف العربي التقليديّ الذي يشترط قيام دولة فلسطينيّة في الأراضي المحتلّة لاستكمال عمليّة التطبيع مع إسرائيل. كما ستُشدّد أيضا على الموقف العربيّ الرافض لتهجير الفلسطينيين. ولتحظى بتسويق جيّد وتُثبت طابعها العمليّ أمامه، فإنّ الخطّة قد تشير ضمنا أو صراحة إلى أن الدول العربيّة ستوافق على ترتيبات لاستقبال الآلاف من الفلسطينيين الجرحى من الأطفال والنساء لمعالجتهم وإعادة تأهيلهم صحيّا. وربما كانت بادرة الملك الأردني عند زيارته إلى واشنطن قبل أيام قليلة، كاشفة في هذا الصدد. فقد عبّر الملك عن التزام بلاده باستقبال 2,000 طفل مريض من قطاع غزّة. وقد تكون هذه الصيغة التي بادر بها الملك نقطة للتلاقي الممكن بين العرب وترامب.
- على صعيد الاعتبارات العمليّة المُتعلّقة بالوضع في غزّة، فإنّ الخطة ستتضمن على ما يبدو اقتراحا بتولي هيئة فلسطينيّة إدارة القطاع، بحيث تكون هذه الهيئة بمثابة المدماك الأوّل الذي ستقوم عليه لاحقا كلّ الجهود العربيّة والدولية لتمويل وتخطيط وتنسيق مهمّة إعادة إعمار القطاع بعد انتهاء الحرب بدون الحاجة لتهجير السكّان. من غير الواضح حتى الآن المرجعيّة التي ستكون لهذه الهيئة وأعمالها. هل ستكون السلطة الفلسطينيّة في رام الله مرجعيتها، أم أنّه سيكون هنالك مرجعيّة أخرى لها؟ كما أنه من غير الواضح حدود الصلاحيّات التي ستحظى بها هذه الهيئة. هل ستكون ولايتها على القطاع ذات طابع خدمي أم سياسيّ أم إشرافي؟ ومن هم العناصر الذين سيشكلون مادتها الأساسيّة وما هي خلفياتهم؟
- من غير الواضح أيضا مدى الانخراط الذي يتخيّله العرب لأنفسهم في شئون القطاع بعد الحرب. فلا شكّ أن قبول ترامب التعاطي مع الخطّة العربيّة سيكون مرهونا بتضمنها لأفكار وأدوات لمعالجة المسائل الأمنيّة، أكانت تلك المتعلقة بحفظ الأمن الداخلي وتطبيق تفاهمات وقف إطلاق النار، أو تلك التي تمسّ مسائل أكبر وأكثر جوهريّة وحساسيّة، مثل مراقبة الحدود ومنع التهريب ونزع السلاح. وهُنا تُطرح بضعة أسئلة: هل سيشكّل العرب قوّة عسكريّة أو أمنية يكون من مهماتها مؤازرة قوّة فلسطينيّة لضبط الأمن الداخلي؟ أم أن قوّة كهذه ستلعب مثلا دورا أكبر في السيطرة الأمنيّة على القطاع بشكلٍ يتعدّى مهام المؤازرة والدعم إلى التدخل المباشر واليوميّ في مسائل الأمن والحكم؟
- ممّا لا شكّ فيه أن بلورة إطار الخطّة العربيّة وعناصرها وإعطاءها زخمها السياسيّ لن يكون ممكنا بدون التفاهم مع “حماس”. والأمر هنا لا يتعلّق فحسب بالتفاهم حول قيام الحركة بتسليم السلطة لطرفٍ آخر، بل بموقع الحركة ذاته في القطاع وبنيتها العميقة والمتجذرة فيه، ونحن نتحدّث هنا عن آلاف المقاتلين المسلحين بعتادهم وذخائرهم ومقدّراتهم المختلفة. فمن غير المعقول أن تُقدّم الخطّة تصوّرات عمليّة حول مسائل الحوكمة والأمن والإدارة في القطاع بدون أن يكون لدى من صاغها إجابات حول مستقبل التعامل مع سلاح “حماس” وأدوات هذا التعامل. وهنا يحضرني ما كتبته قبل أيام قليلة حين قلتُ أن تكتيك ترامب قد يُترجم في صورة ضغوط عربيّة أكبر على “حماس” للقبول بتنازلات بشأن مسائل جوهريّة لا تريد الحركة التنازل فيها، خاصّة في ظلّ تشديداتها المتكرّرة مؤخرا على “فلسطينية اليوم التالي”. ولذلك، سيكون من المفيد مراقبة تفاعل الحركة ومواقفها تجاه الحراك الدبلوماسيّ العربيّ في الأيام والأسابيع المقبلة.
- بعد ما يزيد على عامٍ ونصف من المتابعة الحثيثة لمجريات حرب غزّة، يُمكن القول أنّ إسرائيل لا تريد أن تُعطي في القطاع مساحة أكبر للاعبين الآخرين عربا كانوا أم عجما. لقد سمحت إسرائيل لبعض الدول العربيّة خلال الحرب بالقيام ببعض التدخلات الإنسانيّة المحدودة، ولكن بالتنسيق الصارم والمُسبق معها وعبر رقابتها اللصيقة على حركة المعابر، فكانت قادرة من خلال هذه الأدوات على توجيه الوضع الإنساني في القطاع حسب أهوائها، وهي لا تزال تستخدم ذات الأدوات حتى في ظلّ الهدنة الحاليّة لتمنع دخول الكثير من احتياجات القطاع المُلحّة. ولئن قبلت إسرائيل في المرحلة المقبلة بدور إغاثيّ أكبر للدول العربيّة، فإنّها ستعمل على حصره في هذا الباب، بينما ستُشدّد في المقابل على حصريّة سيطرتها الأمنيّة على القطاع. وبهذا المعنى، فإنّ إسرائيل سترفض غالبا الخطّة العربيّة أيا كان مضمونها. كما أنها ستستخدم تعطيل إعادة الإعمار كسياسة لفرض التنازلات على العرب والفلسطينيين بشأن مستقبل القطاع. ومن المستبعد أن تقبل إسرائيل بدور أكبر للمجموعة العربية إذا لم يتضمن هذا الدور بعدا أمنيا واضحا في “تنظيف” القطاع حسب المفهوم الإسرائيلي، لكنّ يصعب الافتراض أن العرب سيقبلون بمقاربة من هذا النوع.
- في فهمنا لمجريات الأحداث في غزّة في المستقبل القريب، لا ينبغي لنا تجاهل السياقات الإقليميّة الأوسع، إذ يصعب فصل ما يجري في الإقليم عمّا يجري وسيجري في غزّة. في لبنان، تطمح إسرائيل للإبقاء على مواقع عسكريّة في العمق اللبنانيّ إلى أجل غير محدود، بينما تعمل مع واشنطن لتثبيت نظام الوصاية الأمريكيّ الأمني على البلاد من أجل محاصرة “حزب الله” ومنعه من إعادة بناء نفسه أو الحصول على الدعم الإيراني. وفي سوريا، تحتلّ إسرائيل الآن مساحة توازي ضعف مساحة قطاع غزّة، ولا تبتعد مُدرعاتها سوى كيلو مترات قليلة عن العاصمة دمشق، بينما تمنحها السيطرة على قمّة الحرمون إمكانيّة ممتازة لرصد العمق السوريّ وسهل البقاع اللبنانيّ معا. ومن وجهة النظر الإسرائيليّة، فإنّ التغيرات الأخيرة في سوريا تنطوي على فرص كبيرة ومن بينها إمكانيّة إنشاء جيب أمني إسرائيلي في الجنوب السوريّ يكون نقطة عمليات للجهود الهادفة لمحاصرة لبنان من الشرق والإبقاء على رقابة لصيقة على خطّ الحدود بين لبنان وسوريا لمنع تهريب السلاح إلى “حزب الله”. وفي السياقات الأكبر، فإنّ إسرائيل ترى أن استكمال مخططها للتوسع ولفرض رؤيتها لـ “السلام الإسرائيليّ” على الإقليم، يستلزم بالضرورة ضرب إيران وإضعافها خاصة، بعد خسارة الأخيرة مساحات نفوذها في المنطقة وانهيار شبكتها الدفاعيّة الأماميّة. ومن الطبيعي أن الوضع في غزّة وآفاق الحل أو العودة إلى القتال ستكون كلّها مرتبطة على نحو وثيق مع اتجاه السياسة الإسرائيلية للتعامل مع إيران في الأشهر القليلة القادمة.

(Visited 295 times, 1 visits today)